الشيخ داود الأنطاكي
142
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
بانقلاب الهواء إلى الحرارة مثلًا هنا ، هو مخالطته لاجزاء حارة لا أنه حار بالطبع إذ ذاك لازم ، وكذا الكلام في الثلاثة الآخر ؛ فلذلك قالوا : إن الربيع معتدل . وأما هواء الصيف فلا نزاع في حره ويبسه ؛ للمسامتة فيقو الشعاع ولانعكاسه على زوايا حادة فيكثر ضرورة ؛ لأن الحادة ضيقة تجمع . وقال الصابئ والمعلم الثاني وينسب إلى جالينوس : إن سخونة هواء الصيف بانفصال الشعاع فيه اجساماً صغيرة . وهذا مبني على أن النور جسم والشعاع كذلك . قالوا ؛ لأنه ينزل من الأعلى ، والنزول حركة وكل متحرك جسم وينعكس ، والانعكاس حركة وينتقل بانتقال الجسم المضيء . وهو باطل بعدم رؤيته في الوسط ، ولو انحدر نازلًا لشوهد فيه ؛ ولأن الظل ينتقل بانتقال الجسم المذكور وليس هو جسماً ؛ ولأن النور غير الجسم لتعقلنا الجسم المظلم ، فإن كانت في المضيء لزم التداخل أو كبره بزيادة الضوء ، والكل باطل . ولأنه إن لم يكن محسوساً فليس بجسم ، أو كان فينبغي أن يستر ما تحته ويزداد الظلام بكثرته ، وهو محال ؛ ولأن النور إذا كان جسماً فلا بد وأن يكون اما خفيفاً فلا ينحدر ، أو ثقيلًا فلا يصعد ، ونحن نراه ملأ الحيز ، فإن الشمس تملأ الكون بمجرد طلوعها ؛ ولأن المنفصل من الأنوار والأشعة لو كان اجساماً ؛ لانحرقت الأفلاك . فاذاً هي جواهر توجبها المقابلة دفعة . إذا عرفت هذا : فحر هواء الصيف من انعكاس تلك الجواهر على أهل الوسط وما يقرب منه على الزوايا المذكورة بغير الوسط ، وتسخّن نفس الوسط بالانتكاص على العقب ؛ ولهذا يخف الحر أو يعدم في الشتاء لكون زوايا الانعكاس فيه منفرجة ، فيتفرق على حد كثرة ضوء السراج في الموضع الصغير وعكسه ، وقد عرفت فرط اليبس فيما مر . وأما الفصلان الآخران ، فقد قيل باعتدال الربيع مطلقاً . وقيل في الرطوبة واليبس وانه حار ، والخريف في الحر والبرد وأنه يابس ، فالصحيح